عمر فروخ
395
تاريخ الأدب العربي
قصار كلّ سهم شبر . ونصالهم « 1 » شوك شجر كالحديد في القوّة قد شدّوه في نبلهم بلحاء شجر يصيبون الحدق « 2 » . وهم شرّ نوع في السودان . وسائر السودان ينتفع بهم في الخدمة والعمل إلّا قوقو فلا خير فيهم إلّا في الحرب . ولهم ألواح صغار مثقّبة يصفّرون في تلك الثقب « 3 » فتصوّت بأصوات عجيبة فتخرج إلى ذلك الصوت جميع أنواع الحيّات والأفاعي والثعابين فيأخذونها ويأكلونها . وفيهم من يشدّها على وسطه كما يشدّ الحزام . ومنهم من يتعمّم بالثّعبان الطويل ويدخل السوق على غفلة فيكشف ثوبه ويرمي على الناس أنواع الثعابين والحيّات فيعطونه شيئا حتّى يخرج ، وإن لم يعطوه ألقى في دكاكينهم من تلك الحيّات . ويجيء من بلاد السودان أنواع من جلود الماعز مدبوغة دباغة عجيبة ، الجلد الواحد يكون غليظا كبيرا ليّنا محبّبا في لون البنفسج إلى السواد « 4 » يكون الجلد الواحد عشرين منّا يتّخذ منه الخفاف « 5 » للملوك ولا يبلّ بالماء ولا يبلى ولا يفنى مع لينه ونعومته وطيب رائحته يباع الجلد الواحد بعشرة دنانير تبلى خيوط الخفّ ولا يبلى هو ولا يتقطّع فيغسلونه في الحمّام بالماء الحارّ فيعود كأنّه جديد يتوارثه الحفيد من أبيه عن جدّه ، وهو من عجائب الدنيا . - في بلاد سخسين ( ص 116 ) : ولمّا دخلت سخسين ، سنة خمس وعشرين وخمسمائة ، اجتمع إليّ الناس من أهل العلم وغيرهم وفي جملتهم شيخ ضعيف له ثياب خلقه « 6 » فألقى عندي سوار ذهب وزنه أربعون مثقالا وقال : « ما أصنع بهذا السوار » ؟ فقلت : « لا أدري ما تصنع به ، لست صائغا حتّى أعلم ما تصنع به » . فقال : « اشتريت سمكة بطسّوج « 7 » فوجدت هذا
--> ( 1 ) النصل ( بفتح فسكون ) حديدة السيف أو الحديدة التي تكون في رأس الرمح أو السهم . ( 2 ) الحدقة ( بفتح ففتح ) : بؤبؤ العين ( الجزء الملوّن منها ) . ( 3 ) الثقب جمع ثقبة ( بالضمّ ) : الخرق ( بالفتح ) النافذ . ( 4 ) محبّبا : غير أملس ، سطحه مغطّى بما يشبه الحبوب . إلى السواد : ضارب ( مائل ) إلى السواد . ( 5 ) الخفاف جمع خفّ ( بالضمّ ) : حذاء خفيف من جلد . ( 6 ) خلقة ليست في القاموس بالمعنى المراد هنا . يقال : ثوب خلق ( بفتح ففتح ) : المتهرّى ، والجمع خلقان ( بالضمّ ) وأخلاق . ( 7 ) طسّوج : ربع الدانق ، والدانق سدس الدرهم ( الدرهم جزء من الدينار يكون عشره أو أقل إلى جزء من عشرين ) .